القرطبي

48

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( قال فما خطبكم أيها المرسلون ) لما تيقن إبراهيم عليه السلام أنهم ملائكة بإحياء العجل والبشارة قال لهم : ( فما خطبكم ) أي ما شأنكم وقصتكم ( أيها المرسلون ) ( قالوا انا أرسلنا إلى قوم مجرمين ) يريد قوم لوط . ( لنرسل عليهم حجارة من طين ) أي لنرجمهم بها . ( مسومة ) أي معلمة . قيل : كانت مخططة بسواد وبياض . وقيل : بسواد وحمرة . وقيل : ( مسومة ) أي معروفة بأنها حجارة العذاب . وقيل : على كل حجر أسم من يهلك به . وقيل : عليها أمثال الخواتيم . وقد مضى هذا كله في ( هود ( 1 ) ) . فجعلت الحجارة تتبع مسافريهم وشذاذهم فلم يفلت منهم مخبر . ( عند ربك ) أي عند الله وقد أعدها لرجم من قضى برجمه . ثم قيل : كانت مطبوخة طبخ الآجر ، قاله ابن زيد ، وهو معنى قوله تعالى : ( حجارة من سجيل ) على ما تقدم بيانه في ( هود ) . وقيل : هي الحجارة التي نراها وأصلها طين ، وإنما تصير حجارة بإحراق الشمس إياها على مر الدهور . وإنما قال : ( من طين ) ليعلم أنها ليست حجارة الماء التي هي البرد . حكاه القشيري . قوله تعالى : ( فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين ) أي لما أردنا إهلاك قوم لوط أخرجنا من كان في قومه من المؤمنين ، لئلا يهلك المؤمنون ، وذلك قوله تعالى : ( فأسر بأهلك ( 1 ) ) . ( فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ) يعني لوطا وبنتيه وفيه إضمار ، أي فما وجدنا فيها غير أهل بيت . وقد يقال بيت شريف يراد به الأهل . وقوله : ( فيها ) كناية عن القرية ولم يتقدم لها ذكر ، لان المعنى مفهوم . وأيضا فقوله تعالى : ( إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ) يدل على القرية ، لان القوم إنما يسكنون قرية . وقيل : الضمير فيها للجماعة . والمؤمنون والمسلمون ها هنا سواء فجنس اللفظ لئلا يتكرر ، كما قال : ( إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله ( 1 ) ) . وقيل : الايمان تصديق القلب ، والاسلام الانقياد بالظاهر ، فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا . فسماهم في الآية الأولى مؤمنين ، لأنه ما من مؤمن إلا وهو مسلم . وقد مضى الكلام في هذا المعنى في ( البقرة ( 2 ) ) وغيرها . وقوله : ( قالت الاعراب

--> ( 1 ) راجع ج 9 ص 82 وص 79 وص 215 ( 2 ) راجع ج 1 ص 193